حسن بن موسى القادري

196

شرح حكم الشيخ الأكبر

يحزن ، وإلى المسرور يسرّ ، ( ومن الرجال ) لا تصحب منهم أحد إلا الذي كان ( حاله يترجم عنه ) ليدل على كونه رجلا ( دون المقال ) أي : لا تصحب الرجل الذي يترجم عنه ، ويدل عليه مقاله ؛ لأن المعتبر عند القوم وغيرهم من العلماء العاملين الحال دون المقال ؛ لأن الحال باطن ، والمقال ظاهر ولا اعتبار للظاهر إلا بتبعية الباطن ؛ إذ لولاه ما علم الباطن . والمراد ( بالرجل ) في اصطلاحهم الذي يكون من صفوة خلاصة خاصة الخاصة من المحقّقين ، وهو الإنسان الكامل الجامع للفضائل والفواضل الفاني في اللّه الباقي باللّه ، المؤيد بتدبير اللّه ، المنقطع عن الشهوات ، المنفرد من أبناء جنسه بالرياضات والخلوات ، العابر في السير والسلوك على المراتب والمقامات ، البرزخ بين قوسي الوجوب ، وإلا ما كان الظاهر فيه مفهوم ، قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] لا يغرب عن علمه شيء في الأرض ، ولا في السماوات لا من الواجبات ، ولا من الممكنات ، وقد ذكرنا سابقا رجال الطريق وأوصافهم في شرح قوله : ( من لم يأخذ الطريق عن الرجال ، فهو يتنقل من محال إلى محال ) : فالرجل هو البالغ الكامل الرشيد ، ولا يكون كاملا رشيدا إلا إذا كان موصوفا بالأوصاف المذكورة ، ومتأدبا بالآداب المسطورة ، وإلا فهو طفل صغير غير مميز ، وامرأة أو خنثى ، ولهذا السر كانت أخت الحسن البصري قدّس سرّه تكشف بعض وجهها ، وتستر بعضه عن الناس فقيل لها : هل لا تستحي من اللّه ؟ أو من أخيك ؟ أو من الناس ؟ فقالت : أستحي من اللّه ، فقيل لها : كيف ؟ والكشف حرام عليك والستر واجب ، وأنت أخت الحسن البصري ، فلا يليق مثل هذا بأمثالك ، فقالت : اللّه تعالى حرّم علينا الكشف للرجال ، وأنا لا أرى رجلا في هذه المدينة حتى أستر عنه إلا الحسن البصري ، وهو نصف رجل لا رجل كامل ، فلو لم يكن هو لما غطيت هذا النصف من الوجه أيضا فتأمل هذا ، وليس فيه مصادمة الشريعة النبوية ؛ إذ لا يعرف بلسان الأخرس إلا الأخرس أو أمّه فافهم . وقال الشيخ في الباب التاسع والخمسون بعد الخمسمائة من « الفتوحات المكّية » أوصاف الرّجل الكامل ، فأذكر لك عباراته وأشرحها ؛ لأن الناظر فيها إمّا عاجز عن تحصيل معانيها فانقطع عن تناول الفائدة منها ، أو حصّلها ولكن عجز عن معرفة ما أراده ، فنقول وباللّه التوفيق وهو يهدي السبيل .